ابن قيم الجوزية

260

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

نسخة الضلال وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح ، وقصد صالح . واللّه المستعان . وتأمل قوله سبحانه : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 127 ) [ التوبة ] كيف جعل هذه الجملة الثانية ، سواء كانت خبرا أو إعادة عقوبة ، لانصرافهم ، فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول ، فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم ، لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول ، فلم ينلهم الإقبال والإذعان ، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم ، عن القرآن ، فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول ، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول ، كما قال فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 5 ) [ الصف ] . وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه ، جازاه بأن يعرض عنه ، فلا يمكّنه من الإقبال عليه . ولتكن قصة إبليس منك على ذكر ، تنتفع بها أتم انتفاع ، فإنه لما عصى ربه تعالى ، ولم ينقد لأمره ، وأصرّ على ذلك ، عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية ، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها صغيرها وكبيرها ، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق ، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها ، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها . فإن قيل : فكيف يلتئم إنكاره - سبحانه - عليهم الانصراف والإعراض عنه ، وقد قال تعالى : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) [ يونس ] و : أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) [ المائدة ] وقال : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) [ المدثر ] فإذا كان هو الذي صرفهم ، وجعلهم معرضين ومأفوكين ، فكيف ينفي ذلك عليهم ؟ .